السيد كمال الحيدري

154

دروس في التوحيد

( فاطر : 10 ) ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجوديّة ، فَقَدَ مرتبته السابقة ، بل هو صعود على نحو التجلّي ، كما أنّ ذاك تنزّل على نحو التجلّي . إذا اتّضح ذلك ، يتبيّن أنّ نزول القرآن الكريم ليس هو على نحو التجافي - كما لا يخفى - وإنّما هو على نحو التجلّي ، وفقاً للقاعدة التي تحدّثت عنها الآية المباركة : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) . قاعدة منهجيّة قبل الخوض في بيان حقيقة الكتاب المبين الذي يعدّ المرتبة العالية من القرآن الذي بأيدينا ، لابدّ من الإشارة إلى قاعدة منهجيّة في المقام ، حاصلها : إنّ المفاهيم التي استعملها القرآن الكريم - كالكتاب والعرش والكرسي واللوح والقلم وغيرها - يمكن أن تكون مختلفة المصاديق من حيث التجرّد والمادّية ، بمعنى أنّ المفهوم وإن كان واحداً إلّا أنّ المصاديق يمكن أن تتنوّع لتشمل - بالإضافة إلى المصداق المتداول في حياتنا الحسّية - مصاديق أخرى فوق العالم المشهود ، بنحو يكون الاستعمال فيها جميعاً حقيقيّاً . قال صدر الدِّين الشيرازي : " اعلم أنّ أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي ، كسائر الألفاظ الموضوعة للحقائق الكلّية ، يُطلق تارةً ويُراد به الظاهر المحسوس ، ويطلق تارةً ويُراد به سرّه وحقيقته وباطنه ، وتارةً يُطلق ويُراد به سرّ سرّه وحقيقة حقيقته وباطن باطنه ، وذلك لأنّ أصول العوالم والنشآت ثلاثة : الدُّنيا ، والآخرة ، وعالم الإلهيّة ، وكلّها متطابقة ، وكلّ ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على وجه يناسب كلّ موجود لما في عالمه الخاصّ به " « 1 » . وقال الفيض الكاشاني في المقدّمة الرابعة من مقدّمات تفسيره : " إنّ لكلّ

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين الشيرازي ، حقّقه وضبطه وعلّق عليه الشيخ محمّد جعفر شمس الدِّين ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت 1998 : ج 8 ، ص 68 .